سيد محمد طنطاوي
296
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الوحش ببقرة ، وفي الغزال بعنز . وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمن يحمل إلى مكة » « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك طريق معرفة الجزاء ، ومآله ، وأنواعه ، فقال - تعالى - * ( يَحْكُمُ بِه ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) * . والضمير في قوله * ( بِه ) * يعود على الجزاء المماثل للمصيد المقتول . وقوله : * ( هَدْياً ) * حال من جزاء ، أو منصوب على المصدرية . أي يهديه هديا . والهدى : اسم لما يذبح في الحج لإهدائه إلى فقراء مكة . وقوله * ( بالِغَ الْكَعْبَةِ ) * صفة لقوله * ( هَدْياً ) * لأنه إضافته لفظية . وقوله : * ( أَوْ كَفَّارَةٌ ) * معطوف على جزاء . وأو للتخيير ، وكذلك في قوله * ( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) * . والعدل - بالفتح - ما عادل الشيء من غير جنسه . وأما بالكسر فما عادله من جنسه . وقيل هما سيان ومعناهما المثل مطلقا . والمعنى الإجمالي للآية الكريمة : يا أيها الذين آمنوا باللَّه إيمانا حقا ، لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون ، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعليه جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول ومقارب له في الخلقة والمنظر ، أو في القيمة ، وهذا الجزاء المماثل للصيد المقتول يحكم به رجلان منكم تتوافر فيهما العدالة والخبرة حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب ، ويكون هذا الجزاء الواجب على قاتل الصيد * ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) * أي : يصل إلى الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ، أو يكون على قاتل الصيد * ( كَفَّارَةٌ ) * هي * ( طَعامُ مَساكِينَ ) * بأن يطعمهم من غالب قوت البلد ما يساوى قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد المقتول بحيث يعطى لكل مسكين نصف صاغ من بر أو صاعا من غيره ، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صياما ، بأن يصوم عن طعام كل مسكين يوما ، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا . وإذا لم يجد للصيد المقتول مماثلا كالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته ، يشترى بها طعاما لكل مسكين مد ، أو يصوم عن كل مد يوما . وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم مماثل للصيد المقتول في الخلقة والمنظر أو عليه ما يساوى قيمة هذا الجزاء طعاما ، أو عليه ما يعادل هذا الطعام صياما . وهذا ما يقول به جمهور الفقهاء .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 99 .